عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
526
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى قوله : « فتنة » استدراج من اللّه تعالى وامتحان . قوله : « قَدْ قالَهَا » أي قال القولة المذكورة وهي قوله : « إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ » لأنها كلمة أو جملة من القول « 1 » . وقرىء : قد قاله أي هذا القول أو الكلام « 2 » . والمراد بالذين من قبلهم قارون وقومه ، حيث قال : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] وقومه راضون به فكأنهم قالوها ، ويجوز أن يكون في الأمم الماضية قائلون مثلها « 3 » . قوله : « فَما أَغْنى » يجوز أن يكون « ما » هذه نافية أو استفهامية مؤولة بالنفي « 4 » . وإذا احتجنا إلى تأويلها بالنفي فلنجعلها نافية استراحة من المجاز . ومعنى الآية ما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئا . قوله : « فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا » أي جزاؤها يعني العذاب ، ثم أوعد كفار مكة فقال : « وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا » ، ثم قال : « وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ » أي بفائتين لأن مرجعهم إلى اللّه - عزّ وجلّ « 5 » - . قوله : « أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ » يعني أو لم يعلموا أن اللّه هو الذي يبسط الرزق تارة ويقبض أخرى ، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلا بد لذلك من سبب وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السّعة وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكريم « 6 » والسّلطان القاهر قد ولد فيها أيضا عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ويولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة علمنا أن الفاعل لذلك هو اللّه تعالى فصح بهذا البرهان ( العقلي ) « 7 » القاطع صحة قوله تعالى : اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وقال الشاعر : 4303 - فلا السّعد يقضي به المشتري * ولا النّحس يقضي علينا زحل ولكنّه حكم ربّ السّما * وقاضي القضاة تعالى وجل قوله تعالى : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 53 إلى 61 ] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 )
--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) حكى هذه القراءة في كتابه أبو حيان في البحر 7 / 433 والزمخشري في الكشاف 3 / 403 . ( 3 ) نقله في الرازي السابق وفي الكشاف 3 / 403 . ( 4 ) قال بهذين الوجهين أبو حيان في البحر 7 / 433 والسمين في الدر 4 / 656 . ( 5 ) وانظر هذه التوضيحات في معالم التنزيل للبغوي 6 / 79 والخازن في لباب التأويل . ( 6 ) في الرازي « الكبير » بدل « الكريم » « 26 / 289 » . ( 7 ) سقط من ب .